المقريزي
341
إمتاع الأسماع
منا معك ، أسلمنا معنا وجاهدنا معك ؟ قال : نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني . قال الحاكم ( 1 ) هذا حديث صحيح الإسناد . قال ابن عبد البر : قد عارض قوم هذه الأحاديث بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، وهو حديث حسن المخرج ، جيد الأسانيد ، وليس ذلك عندي بمعارض لأن قوله : خير الناس قرني ليس على عمومه ، بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول ، وقد جمع قرنه من السابقين من المهاجرين والأنصار جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان ، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحد ، رد وقال : أنتم ما تقولون في الشارب والسارق والزاني وقال صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . وقال عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه في قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ( 2 ) قال : من فعل منكم فعلها كان مثلها وقال ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه : في قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ثم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية وهذا كله يشهد أن خير قومه فضلاء أصحابه وقد قيل في قول الله - عز وجل - : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني الصالحين منهم وأهل الفضل وكنتم شهداء على الناس يوم القيامة ، قالوا : إنما صار أول هذه الأمة خير القرون لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوه في الإسلام . وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب مع قوله خير الناس قرني في قوته إنما قيل : لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبروا على إيذائهم وتمسكهم ، وأن آخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والكبائر ، كانوا عند ذلك أيضا
--> ( 1 ) التعليق السابق . ( 2 ) سورة آل عمران : 110 .